أحمد بن علي القلقشندي
101
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
قلت : ليس ابن لقمان هو المبتكر لهذا المذهب ، بل كان موجودا معمولا به . استعمله كتّاب الإنشاء بديوان الخلافة ببغداد قبل ذلك بزمن طويل ، وهو منبع الكتابة الذي عنه يصدر الترتيب ، وقاعدتها التي يبنى عليها المصطلح . وعليه كتب عهد العادل ( 1 ) أبي بكر بن أيّوب أخي السلطان صلاح الدين يوسف « من بغداد » . وإليه مال ابن الأثير في « المثل السائر » ( 2 ) . وذكر أن الافتتاح ب « هذا ما عهد » قد ابتذل بكثرة الاستعمال ، وابن لقمان تابع لا متبوع . على أن إنشاءه يدلّ على تقدّمه في الكتابة ، وهو وإن كان ليس بحجة فابن الأثير حجة في هذا الشأن ، يرجع إليه ويعمل بقوله ، ويؤيّده حديث : « كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد للَّه فهو أجذم » ولذلك مال أهل العصر إلى اختياره والعمل عليه ؛ إلا أنّ فيه مخالفة لما وقع في عهد النبي صلى اللَّه عليه وسلم لعمرو بن حزم وغيره من عهود الصحابة على ما تقدّم ذكره . وبكلّ حال فأهل هذا المذهب لا يخرجون فيه عن ضربين : ضرب يعبّرون عن الأوامر الواردة في العهد عن الخليفة بقوله : « أمره بكذا وأمره بكذا » وهي طريقة المتقدّمين منهم ، وعليها كتب عهد العادل أبي بكر ( 3 ) المشار إليه . وضرب يعبّرون بقولهم « أن يفعل كذا وكذا » وما يجري هذا المجرى ، وهي طريقة أهل زماننا . وهذه نسخة العهد المكتوب به من ديوان الخلافة ببغداد على هذه الطريقة ،
--> ( 1 ) لعله : « للملك الكامل ابن الملك العادل » كما في مآثر الإنافة : 3 / 99 وكما يفيده ما يأتي في صلب العهد . ( 2 ) « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » لضياء الدين ، نصر اللَّه بن محمد ، ابن الأثير الجزري المتوفى سنة 637 ه . ( كشف الظنون : 1586 ) . ( 3 ) تقدّم التنبيه عليه في الحاشية الأولى من هذه الصفحة .